الشنقيطي
131
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة مريم قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ 71 ] الآية . هذه الآية الكريمة تدل على أن كل الناس لا بد لهم من ورود النار وأكد ذلك بقوله كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [ مريم : 71 ] ، وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أن بعض الناس مبعد عنها لا يسمع لها حسا ، وهي قوله تعالى : أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ( 101 ) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها [ الأنبياء : 101 - 102 ] الآية . والجواب : هو ما ذكره الألوسي وغيره من أن معنى قوله : مبعدون . أي عن عذاب النار وألمها . وقيل : المراد إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريبا منها ، ويدل للوجه الأول ما أخرجه الإمام أحمد والحكيم الترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه ، وجماعة عن أبي سمية قال : اختلفنا في الورود فقال بعضنا : لا يدخلها مؤمن ، وقال آخر : يدخلونها جميعا ثم ينجي اللّه الذين اتقوا ، فلقيت جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه فذكرت ذلك له . فقال وأهوى بإصبعيه إلى أذنيه : صمتا إن لم أكن سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها » فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم عليه السلام حتى أن للنار ضجيجا من بردهم ثم ينجي اللّه الذين اتقوا « 1 » . وروى جماعة عن ابن مسعود : أن ورود النار هو المرور عليها ، لأن الناس تمر على الصراط ، وهو جسر منصوب على متن جهنم . وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري والبيهقي عن الحسن الورود : المرور عليها من غير دخول . وروي ذلك أيضا عن قتادة قاله الآلوسي : واستدل القائلون بأن الورود نفس الدخول كابن عباس بقوله تعالى : فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [ هود : 98 ] وقوله : لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها [ الأنبياء : 99 ] وقوله : حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [ الأنبياء : 98 ] فالورود في ذلك كله بمعنى الدخول : واستدل القائلون بأن الورود القرب منها من غير دخول ، بقوله تعالى : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [ القصص : 23 ] . وقول زهير : فلما وردن الماء زرفا جمامه * وضعن عصى الحاضر المتخيم
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الرابع .